السيد كمال الحيدري
193
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
النصّ إعلامياً الإعلام علم له مقوّماته ونظرياته وأساليبه وآلياته الخاصّة به ، ولكنه يُعاني من إشكاليات كبيرة وأمراض مُستعصية ، أهمّها ضعف مُراعاة المهنية التي تبتني على أُسٍّ تقوم عليه المهمّة الإعلامية ، وهو إيصال الحقّ والحقيقة بشفافيةٍ ووضوح إلى المُتلقّي ، وقد أوقعها ذلك في مُسامحات كثيرة وبغبغائية مُثيرة تمثّلت بترديد كلمات أنصاف المتعلّمين وأشباه المُثقّفين وأشباح المُتخصّصين ، فصارت الإثارةُ والاستقطابُ الشاغلَ الأوّل والهمَّ الرئيسيَّ لهذه الوظيفة الرائدة والرقيب الدقيق ، ومن تلك المطبّات التي وقع فيها غالبية إعلاميينا - بقصد أو بغير قصد - تشويه جملة من الاصطلاحات وتزييف جملة من الحقائق العلمية ، منها ما يتعلّق بحقيقة النصّ ، فصار النصّ يُطلق عندهم على الأغاني والأفلام والمسرحيات ، وعلى كلّ كلمة هابطة ، وعلى كلّ شاردة وواردة ، فصار الناس يظنّون بأن ذلك هو الحقّ ! من هنا يعسر علينا أن نُحدّد النصّية إعلامياً ، لأنها مشوّهة وغير مُنضبطة ، ولا شيء فيها منضبط ومُترابط غير عدم الانضباط نفسه وعدم الترابط . النصّ في اللسانيات المعاصرة اللسانيات علم مادّته الأُولى هي اللغة ، فإذا ما التزمنا بأنّ اللغة فكرٌ ومعطى حضاري بارز وأصيل ، فذلك يعني أن علم اللسانيات له جذور تأريخية عميقة ، بخلاف ما هو مُتصوّر من حداثوية هذا العلم . وأما كون اللغة فكراً ومعطى حضارياً فذلك لأن اللغة تمثّل الانعكاس الأوّل والأكثر وضوحاً لصفة ومقوّمات الناطقين بها ، فاللغة لا يسعها التنصّل عن تراث أصحابها ، ولذا فهي مستودع حقيقي للنتاج الديني أوّلًا ، نظراً لكون الدين يمثّل الانطلاقة الأُولى في حركة الإنسان ، وهذا الكائن الكامن في رحم اللغة - وهو الدين - لا يأتي مجرّداً عن ظروفه الموضوعية